أحمد بن علي القلقشندي
347
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بسيفه من بلاد الأرمن ليقاتل بعلمه المنشور ، ويجتني من شجر المرّان جنى عسله المشور ، فكتبه له . ثم قال : وهم على ما هم عليه يدارون ملوك التتار ، وهو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر لا تغبّ المكاتبات بينهم ، ولا ينقطع بذل خدمته لهم ، وإقبالهم عليه ، واعتدادهم بموالاته . قال في « مسالك الأبصار » : وهم عصبة ذات أيد ويد ، وجيوش كثيرة العدد ، وهم أصحاب الحروب التي ضعضعت الجبال ، ولهم مع الأرمن وبلاد التّكفور ، وقائع لا يجحدها إلا الكفور ، يتخطَّفهم عقبانهم القشاعم ( 1 ) [ وتلتهمهم ] ( 2 ) أسودهم الضّراغم . قال : وهم أهل بيت ألقى اللَّه عليهم محبة منه ، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفا . ثم ذكر بعد ذلك بكلام طويل أنهم هم الذين كانوا ألَّفوا بين سلامش وبين المنصور لاچين ، وأنهم هم الذين لا يرتاب في رأيهم ، ولا يطعن في دينهم ، بل مهما ورد من جهتهم تلقّي بالقبول ، وحمل على أحسن المحامل . ثم قال : وحكي عمّن تردّد إليهم وعرف ما هم عليه أنهم رجال صدق ، وقوم صبر ، لا تستخفّ لهم حفيظة ، ولا تردّ بحنقها لهم صدور مغيظة ، ولهذا أمراء الرّوم لا يطأون لهم موطئا يغيظ ، ولا يواطئون لهم عدّة شهور في مشتى ولا مقيظ ؛ وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم اللَّه من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار ، ويعدّد عليهم عظام الذنوب الكبار ، ووقاية اللَّه تكفيهم ، وحياطته عن عيون القوم تخفيهم ، ولذلك كان السلطان ( محمود غازان ) يقول : أنا أطلب الباغي شرقا وغربا ، والباغي في ثوبي ، يريد أولاد قرمان وتركمان الروم [ ومع هذا لم يسلَّط عليهم ] . وحكي عن الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخي النجيب أنه قال يوما : لولا الأكراد وأولاد قرمان وتركمان الروم ، دست بخيلي مغرب الشمس .
--> ( 1 ) قشاعم : جمع قشعم وهو المسنّ من الرجال والنّسور . ( 2 ) بياض بالأصل والتصحيح عن مسالك الأبصار . كما ورد في طبعة دار الكتب المصرية .